محمد غازي عرابي

941

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم

[ سورة فصلت ( 41 ) : الآيات 47 إلى 48 ] إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَما تَخْرُجُ مِنْ ثَمَراتٍ مِنْ أَكْمامِها وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكائِي قالُوا آذَنَّاكَ ما مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ ( 47 ) وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ وَظَنُّوا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ ( 48 ) [ فصلت : 47 ، 48 ] قال سبحانه في موضع آخر : وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ( 85 ) ، وقال : عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ * فلله العلم كله ، ولقد آتى الأنبياء والعارفين بعضا من علمه فعلمهم وما جاء في الآية هو من العلم الذي خص به نفسه ، فالمشركون واليهود كانوا يجادلون أن النبي بأن يسألوه عن موعد قيام الساعة وعم تحمل الإناث ومتى ينزل الغيث ، وما كان للنبي وغيره أن يعلموا ذلك ، فالإنسان محدود أمام الحق ، والحق هو الذي يحدّ الحدود ، وله الحدود ، فليقف الإنسان بتجلة واحترام أمام اللامتناهي عالم الغيب والشهادة الذي علم الإنسان البيان ، فعلم ما قدر له أن يعلم ، وطوي عنه غير ذلك من العلوم . [ سورة فصلت ( 41 ) : الآيات 49 إلى 52 ] لا يَسْأَمُ الْإِنْسانُ مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُسٌ قَنُوطٌ ( 49 ) وَلَئِنْ أَذَقْناهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هذا لِي وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ ( 50 ) وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ ( 51 ) قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقاقٍ بَعِيدٍ ( 52 ) [ فصلت : 49 ، 52 ] يطلب الإنسان الخير ولا يمل من طلبه ، ولئن سألت الناس جميعا ما ينشدون لقالوا المال والراحة والسعادة في هذه الحياة ، ومن هنا يكون التعارض بين مطلب الإنسان ومطلب اللّه من الإنسان ، فشعار الحق قوله لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين ، فثمت إذا هبوط وصعود وعروج وجهاد ومجاهدة وصبر ومصابرة وبلاء ومحن ونقص في الأموال والأولاد ، وهذه هي شريعة الحياة ، ولهذا قال عليه السّلام من صبر ظفر ، ومن لج كفر ، وقال لو اطلعتم على الغيب لاخترتم الواقع ، وقال سبحانه كتب عليكم القتال وهو كره لكم ، وقال عليه السّلام لا تسبوا الدهر فإن اللّه هو الدهر ، وفي الحديث القدسي من لم يرض بقضائي فليخرج من تحت سمائي وليبتغ ربا سواي ، فعلى الإنسان تقبل الواقع كما هو ، وهذا ما دعا إليه الفيلسوف هيغل الذي أعلن أن في الحروب خيرا ، وتكلم عما في الحرب من الخير ، بل إن هيغل كشف عن أن الوجود كله قائم على أساس من حرب النقائض ، وهذا ما أثبته العلم الحديث القائل إن الصفات لا تظهر إلا بالتناقض ، وإن للصفات الظاهرة من النقائض ما لا يكون في النقائض التي تكونت منها ، وهذا ما بينه هيغل أيضا .